الشيخ الطبرسي

219

تفسير مجمع البيان

بعدكم إلى يوم القيامة . وقيل : معناه وفرضنا فيها إباحة الحلال ، وحظر الحرام ، عن مجاهد . وهذا يعود إلى معنى أوجبناها . وقيل : معناه وقدرنا فيها الحدود ، عن عكرمة ، وهو من قوله : ( فنصف ما فرضتم ) . وفسر أبو عمرو معنى القراءة بالتشديد بأن قال : معناها فصلناها وبيناها بفرائض مختلفة . ( وأنزلنا فيها آيات بينات ) أي : دلالات واضحات على وحدانيتنا ، وكمال قدرتنا . وقيل : أراد بها الحدود والأحكام التي شرع فيها . ( لعلكم تذكرون ) أي : لكي تتذكروا فتعلموا بما فيها . ثم ذكر سبحانه تلك الآيات ، وابتدأ بحكم الزنا ، فقال : ( الزانية والزاني ) معناه : التي تزني ، والذي يزني ، أي : من زنى من النساء ، ومن زنى من الرجال ، فيفيد العموم في الجنس . ( فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ) يعني إذا كانا حرين بالغين بكرين غير محصنين . فأما إذا كانا محصنين ، أو كان أحدهما محصنا ، كان عليه الرجم بلا خلاف . والإحصان هو أن يكون له فرج يغدو إليه ويروح على وجه الدوام ، أو يكون حرا . فأما العبد فلا يكون محصنا ، وكذلك الأمة لا تكون محصنة ، وإنما عليهما نصف الحد خمسون جلدة ، لقوله سبحانه : ( فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) . وقيل : إنما قدم ذكر الزانية على الزاني ، لأن الزنى منهن أشنع وأعير ، وهو لأجل الحبل أضر ، لأن الشهوة فيهن أكثر ، وعليهن أغلب . وقوله ( فاجلدوا ) هذا خطاب للأئمة ، ومن يكون منصوبا للأمر من جهتهم ، لأنه ليس لأحد أن يقيم الحدود إلا الأئمة وولاتهم بلا خلاف . ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) معناه : إن كنتم تصدقون بالله ، وتقرون بالبعث والنشور ، فلا تأخذكم بهما رحمة تمنعكم من إقامة الحدود عليهما ، فتعطلوا الحدود ، عن عطا ، ومجاهد . وقيل : معناه لا تأخذكم بهما رأفة تمنع من الجلد الشديد ، بل أوجعوهما ضربا ، ولا تخففوا كما يخفف في حد الشارب ، عن الحسن ، وقتادة ، وسعيد بن المسيب ، والنخعي ، والزهري . وقوله ( في دين الله ) أي : في طاعة الله . وقيل : في حكم الله ، عن ابن عباس ، كقوله : ( ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ، أي : في حكمه . ( وليشهد عذابهما ) أي : وليحضر حال إقامة الحد عليهما ( طائفة ) أي : جماعة ( من المؤمنين ) وهم ثلاثة فصاعدا ، عن قتادة والزهري . وقيل : الطائفة